التميز

الالتزام بمحتوى هادف

الاندلس قبل الفتح

‏الحالة العامة لشبه الجزيرة الايبيرية قبل الفتح الاسلامي لها.

‏الأندلس، أندلوسيا أو شبه الجزيرة الايبيرية، أبرز عنصر بشري استفرد بحكمها قبل فتح المسلمين لها مباشرة هم القوط، والخلاف شديد بين المؤرخين حول أحوال المجتمع الإسباني خلال هذا العصر القوطي، فمعظم الإسبان شديدو العصبية لهذا العصر، يذهبون إلى أن الناس كانوا يستمتعون فيه برخاء ظاهر في كل ناحية من نواحي الحياة، وأن الزراع والصناع كانوا في رفاهية، وأن موارد البلاد في ازدياد مستمر، وأن العصر على العموم كان عصر نهضة إسبانية مسيحية. وهم إنما يبالغون هذه المبالغة لكي يؤكدوا أن النهضة التي حدثت في ظلال الإسلام بعد ذلك لم تكن شيئاً جديداً على البلاد، وأن فضلها لا يعود إلى المسلمين وحدهم، وإنما كانت البلاد سائرة في طريقها على أي حال.

‏أما حقيقة الحال، فكانت بعيدة جداً عما يذهب إليه هؤلاء المؤرخون،فلم يكن الحال بدرجة من السوء بهذا الشكل الذي يصوره دوزى في كتابه،ولكنه كان سيئاً على كل حال، ولا يقارن بحال بما وصلت إليه البلاد من الرفاهية والرقي في عصور المسلمين. وذلك هو الرأي الذي يميل إليه المؤرخون المنصفون من الإسبان أنفسهم، بعد أن تجلت مظاهر الحضارة
‏الإسلامية الإسبانية، وأصبحت أوضح من أن يماري بها أحد أو يفضل عليها نظاماً اجتماعياً مضطرباً كنظام المجتمع القوطي الإسباني قبل الفتح الإسلامي (1).

‏وطبيعي ألاّ يستطيع القوط إنشاء مجتمع جديد خير من المجتمع الروماني القديم، إذ لم يكن لهم هم أنفسهم نظام اجتماعي مقبول، قبل أن يدخلوا الدولة الرومانية ويستقروا في أرضها ويقتبسوا نُظُمها، ولكن ذلك لا يمنع من أن يكونوا قد أنعشوا المجتمع الروماني المضمحل، وأدخلوا عليه عناصر جديدة نشيطة، توجهه توجيهاً جديداً.

‏وينبغي أن نقول أيضاً، إن القوط، كانوا أقل إنسانية ونظاماً من طوائف البرابرة الأخرى، التي استقرت في إسبانيا، حتى الفاندال أنفسهم، لأن الفاندال كانوا لا يبهظون البلاد التي ينزلون فيها، بتكاليف حكومية ضخمة، تريد أن تستقصي كل شيءٍ، وتتشبه بالرومان: كانوا يزيلون النظام القديم بمحاسنه ومساوئه، أما القوط فقد احتفظوا بمساوئ هذا النظام، وأضافوا إليه مساوئهم، فعم ضررهم الجميع، من المزارع الصغير، والقنّ الفقير، إلى الغني صاحب الضياع، ولم يتدخل الفندال أو السوييف في مسائل الناس الدينية، أما القوط فتدخلوا واضطهدوا مخالفيهم كما رأينا، فعمَّ بلاؤهم الناس أجمعين (2).

‏ولم يعمل القساوسة شيئاً لتحسين حال الناس، ولم يحاول أحدهم أن يعترض على ما كان الأغنياء يسرفون فيه من الاستبداد بالضعفاء والاستكثار من العبيد، وكان عدد العبيد كبيراً جداً، وكان الأغنياء يقتنونهم بالآلاف، ويعاملونهم معاملة قاسية كأنهم بعض المتاع، وقد يئس هؤلاء المساكين من كل إنصاف من جانب الحاكمين أو من جانب رجال الدين، وباتوا يترقبون الخلاص (3).

‏ولم يكن أوساط الناس من أهل المدن والضياع وأحرار الزراع أحسن حالاً، لأن ملوك القوط لم يلتفتوا إلى شيءٍ يعود بالخير على عامة الناس، ولم يؤثر عنهم إنشاء قنطرة أو تعبيد طريق أو وضع قانون يخفف عن الناس مظالم الحكام أو يجعلهم في مأمن من الظلم والعدوان، وقد كانوا هم أنفسهم أبعد الناس عن أي لون من هذا التفكير.

‏ويضاف إلى هذه المساوئ إلاضطهاد الديني بألوانه: اضطهاد القوط للكاثوليك حين كانوا أريوسيين، ثم اضطهادهم لليهود على النحو الذي رأيناه في أيام لذريق، مما جعلهم يميلون إلى الخلاص من حكم القوط، وقد اتهمهم القوط بالتآمر على سلامة الدولة مع قوم خارج إسبانيا، لكي يسوِّغوا عسفهم بهم، والغالب أن رجال الدين الكاثوليك كانوا هم المحرضين على هذا الاضطهاد، ولو أن يهود إسبانيا كانوا على اتصال مع يهود إفريقية ويهود أوروبة أيضاً، عداوة للقوط وللكاثوليك، ومحاولة لإلحاق الأذى بهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

‏وحينما تقادم العهد بالقوط في إسبانيا، وتمتعوا بخيراتها الوفيرة، مالت بهم نفوسهم إلى الدعة، وجعلوا يكلون أمور الحرب إلى عبيدهم، حتى زاد عدد العبيد على عدد الأحرار في الجيش. ويبدو أن الحروب المتعددة بين ملوك القوط ونبلائهم هي التي حفّزت هؤلاء الملوك إلى الاستكثار من هؤلاء العبيد في الجيش، لأن أعداد محاربي القوط القليلة توزعت بين الملوك والثائرين، وكانت كثرة العبيد في الجيش من أسباب ضعفه، لأنهم كانوا ساخطين على الدولة، ينتظرون الفرصة للتخلي عنها وتركها لمصيرها (4).




الباحث في الشأن الأندلسي

يوسف الحارثي

youcef_hirtsi@


‏المصادر

‏1 / رينهارت دوزي – المسلمين في اسبانيا.
‏2 / نفس المصدر
‏3 / نفس المصدر
‏4 / محمود شيت خطاب – قادة فتح الأندلس.