التميز

الالتزام بمحتوى هادف

خريطة الإرهاب في ليبيا

‏بعد سنوات من الإطاحة بالزعيم الليبي معمر القذافي، ما تزال ليبيا تعيش في ظل فوضى ودون حكومة مركزية، تتنازعها جماعات وميليشيات إرهابية متصارعة، رغم كل الجهود الدولية المبذولة لتحقيق الاستقرار والمصالحة الوطنية، وهو الأمر الذي ألقى بظلاله على قدرة ونطاق انتشار هذه الجماعات؛ خاصة أن هناك بعض الدول التي ساهمت بصورة أو بأخرى في تمويل ودعم انتشار هذه الجماعات هناك لتحقيق مصالحها، وتزداد في هذا الإطار المخاوف الإقليمية والدولية مع نمو الجماعات المتطرفة مثل تنظيمي داعش والقاعدة بما لديهما من قدرة على الانتشار في كثير من دول جوار ليبيا في الشمال الأفريقي، والتخوفات من امتداد تأثيرهما إلى الضفة الأخرى من البحر المتوسط تجاه القارة الأوروبية.
‏وتجدر الإشارة هنا إلى أن صعود الجماعات الارهابية في ليبيا يرتبط بصورة مباشرة بطبيعة التدخل الأجنبي والتدخلات العسكرية، والتي قد ساهمت منذ بداية الأزمة الليبية في تغيير نظام الحكم، وتفكيك مؤسسات الدولة، وأطلقت العنان للتوترات العرقية والطائفية الخاملة، وكثفت المنافسات الإقليمية بتغيير موازين القوى.
‏وقد وفرت هذه التطورات أسبابًا خصبة لظهور جماعات إرهابية جديدة كثيرًا ما تدعمها جهات خارجية فاعلة.
‏خريطة الإرهاب في ليبيا
‏تزخر ليبيا بمجموعة متنوعة من التنظيمات الإرهابية التي تنتشر بصورة كبيرة في مناطق جغرافية واسعة داخل ليبيا، والتي وجدت في الصراع الداخلي هناك فرصة كبيرة للحضور والانتشار، ومن ناحية أخرى اتجاه بعض الدول الإقليمية والدولية إلى السماح بوجودها وانتشارها بل ودعمها كما هو الحال بالنسبة لتركيا، وفيما يلي أبرز هذه الجماعات:
‏1) فجر ليبيا
‏جماعة إسلامية تسيطر على أجزاء واسعة من العاصمة طرابلس، وهي التي هاجمت عام 2014 مطار العاصمة واستولت عليه وعلى العاصمة. تعتبر الجماعة موالية لحكومة الوفاق في طرابلس، وتمتلك فجر ليبيا أسلحة ثقيلة بما فيها الطائرات، وكانت تسيطر على معظم المدن الساحلية قبل أن يتمكن الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير حفتر من انتزاع السيطرة منها، بحيث اقتصرت سيطرتها على المدن الغربية الساحلية بدءًا من سرت حتى الحدود مع تونس، وغالبية معظم أفراد هذه الجماعة ينحدرون من مدينة مصراتة لكن عناصرها المتمركزين في مصراتة بدأوا مؤخرًا يبتعدون عن قيادة فجر ليبيا.
‏2) درع ليبيا
‏عبارة عن تجمع لمجموعات إرهابية متحالفة تحت هذا الاسم، وتعمل في عدة مناطق في ليبيا، أهم هذه المجموعات درع المركز الموالية المؤتمر الوطني في طرابلس، أما القوة الثالثة في درع ليبيا فتقودها شخص يُدعى وسام بن حميد كان يمارس إرهابه بالسلاح، إلى جانب زعيم أنصار الشريعة السابق محمد الزهاوي، والذي قتل في عام 2015، ويتولى بن حميد منصب القائد الميداني لما يسمى مجلس شورى ثوار بنغازي.
‏3) قوات موالية لنوري بو سهمين
‏الكتيبة 166 التي قاتلت إلى جانب قوات فجر ليبيا  في مدينة سرت والمناطق المجاورة لها، وانسحبت الكتيبة من المدينة قبل سقوطها بيد التنظيم في مايو 2015، وهو ما أثار حفيظة حكومة شرق ليبيا، وتتهم قيادة الكتيبة بالتواطؤ مع داعش، وردت قيادة الكتيبة بأنها انسحبت بسبب عدم تلقيها الدعم من حكومة الوفاق الوطني.
‏4) تنظيم داعش
‏ظهر التنظيم عام 2015 معتمدًا إلى حد كبير على وجود موالين له في مدينة درنة، معقل المتشددين تاريخيًّا في شرق ليبيا، وبعد مبايعة داعش في سوريا والعراق استولى على المدينة وأقام إدارة لها، وتم إرغام التنظيم على الفرار من المدينة في يوليو 2015، فتوجه إلى مدينة سرت الساحلية ليفرض سيطرته عليها كاملًا، وهناك مخاوف من أن يحول التنظيم المناطق التي يسيطر عليها إلى معسكرات لتدريب عناصره والتخطيط لهجمات دموية في حوض المتوسط على غرار الهجمات التي نفذها في القارة الأوروبية كالذي وقع في مدينة مانشستر البريطانية قبل فترة قصيرة ونفذها شاب ليبي زار بلاده مرارًا، كما أن للتنظيم حضورًا في مدن النوفلية وسدرا وبن جواد، وحاول في فترة معينة الوصول إلى المنشآت النفطية في رأس لانوف وقد وقعت مواجهات بينه وبين حراس المنشآت النفطية، وتخوض قوات مجلس شورى مجاهدي درنة ولواء  «شهداء أبو سليم» المقربة من «أنصار الشريعة» مواجهات مع التنظيم، وتمكنت قوات الجيش الوطني مؤخرًا من طرد التنظيم من مدينة سرت وتواري مقاتلوه عن الأنظار.
‏5) أنصار الشريعة
‏تعتبر هذه المجموعة امتدادًا لفكر «تنظيم القاعدة» وتتمركز في شرق ليبيا، وفي بنغازي ولها حضور بارز منذ الإطاحة بالقذافي عام 2011، ودخلت في مواجهات دموية مع قوات «الجيش الوطني» في بنغازي إلى أن تمكن الجيش الوطني من القضاء على وجوده في بنغازي، كما أن للمجموعة وجود في مدن درنة وصبراتة، وتتهم المجموعة بالمسؤولية عن اغتيال السفير الأمريكي في ليبيا عند الهجوم على القنصلية الأمريكية في بنغازي عام 2012؛ ما حدا بالولايات المتحدة إلى أدراجها في قائمة المنظمات الإرهابية، وأعلنت الجماعة حل نفسها في مايو 2017.
‏6) مجلس شورى ثوار بنغازي
‏وهو عبارة عن تجمع لمجموعات إرهابية مثل «أنصار الشريعة»، ولواء ثوار 17 فبراير ولواء «راف الله الساحتي» وخاضت هذه المجموعات صراعًا عنيفًا ضد الجيش الوطني الليبي، في بنغازي، إلى أن تم القضاء على وجودها في المدينة، وقد شكلت هذه المجموعات ميليشيا جديدة تحت اسم «ألوية الدفاع عن بنغازي» وهي التي قتلت ثلاثة جنود فرنسيين لدى سقوط الطائرة العمودية التي كانوا على متنها في ليبيا، وقد اتهم ما يعرف تنظيم الدولة هذه المجموعات بالارتباط بقوات «فجر ليبيا» وكفرتها.
‏7) مجلس شورى مجاهدي درنة
‏مجموعة من الجماعات الإرهابية تشكلت عام 2014 وهي موالية لتنظيم القاعدة، وبرزت بقوة على الساحة بعد نجاحها في طرد تنظيم داعش من أغلب أحياء مدينة درنة عام 2015، وتوسعت المواجهات بين الطرفين في أعقاب قيام داعش باغتيال شخصيتين مقربتين من مجلس شورى مجاهدي درنة.
‏8) مجلس ثوار أجدابيا
‏جماعة إرهابية تتمركز في مدينة أجدابيا الساحلية غرب بنغازي، ويقودها محمد الزاوي، وأعلنت وكالة «أعماق» التابعة لتنظيم داعش مرتين أن الزاوي قد بايع التنظيم أوائل عام 2016، لكن المجلس أصدر بيانًا أشار فيه إلى أن المبايعة أمر يخصه ولا صلة للمجلس بهذا الأمر، وتناصب هذه المجموعة الجيش الوطني الليبي العداء أيضًا، ووقعت صدامات بينهما.
‏متغيرات عديدة
‏تدور في ليبيا، حاليًّا، معركة للسيطرة على العاصمة طرابلس؛ بين الجيش الوطني الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، الذي يتمتع بقاعدة شعبية في شرق البلاد، وبين حكومة الوفاق المدعومة من قبل ميليشيات مختلفة الجنسيات، في هذا الصدد، قال أحمد المسماري، المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي، مؤخرًا: إن اللافتات الإرهابية التابعة لتنظيمي «داعش» و«القاعدة»، بدأت تظهر في المناطق التي تُسيطر عليها حكومة الوفاق في طرابلس، بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك، متهمًا تركيا بالتدخل في المعركة عبر إرسال متطرفين، من «جبهة النصرة» من سوريا، لدعم حكومة الوفاق معركتها ضد الجيش الوطني الليبي.
‏ومن ثم فإن هناك تعبئة واضحة في كلا المعسكرين نحو طرابلس، والتي خلقت فراغًا أمنيًا أتاح الفرصة للجماعات المتطرفة والإرهابية للعودة، ولكن أيضًا عن طريق تجنيد العناصر المتحالفة مع الجماعات الأخرى، وتنسيق الهجمات لـ«إثبات الوجود»، وضمن نفس السياق فإن النزاع بين الفصائل الليبية منح الإرهابيين أيضًا فرصة ذهبية للتحرك، وإعادة تشكيل البقايا الهاربة والخلايا السرية النائمة، ولا يزال خطر قدرة المنظمات الإرهابية المتطرفة على السيطرة على أي مكان في ليبيا قائمًا، ما دامت ليبيا منقسمة، ولم تمتد سلطة الدولة إلى جميع الأراضي، وبالنظر إلى الصراعات الحالية، فإن الإرهاب في ليبيا لن يكون سوى أحد القوى بين العديد من القوى القادرة على إلحاق أضرار حيوية واستراتيجية لليبيا ومحيطها الإقليمي والدولي.
‏من زاوية أخرى فإن مساحة الأراضي الليبية، والتي تفوق مليونًا ونصف المليون كيلومتر، أهم عوامل انتشار التنظيمات الإرهابية، خاصة أن قرابة 90 في المئة من السكان يتمركزون في المدن الساحلية في الشمال، أما في الجنوب، حيث تغلب الطبيعة الصحراوية والحدود المفتوحة، فتكوّن عشرات المدن الصغيرة والبلدات طوقًا آمنًا لتنقل التنظيمات، قياسًا بحجم سيطرتها على الأرض، لكن القوات المساندة المؤلفة من عناصر قبلية، شاركت الجيش في عملياته القتالية لبسط سيطرته على الجنوب، وتمكنت من نشر وحدات استطلاع وقتال في غالبية المناطق الواقعة على الحدود مع دول الجوار الأفريقي، وهو الأمر الذي حدّ من نشاط تلك التنظيمات، وشنّ عمليات قتالية على بؤرها، وهو ما يشير إلى استمرار خطرها في تلك المناطق، وإن عملية مكافحة الإرهاب التي يخوضها الجيش ينتظرها الكثير من المراحل الأخرى.
‏ لمساندة حكومة الوفاق الحليف الأقرب لأنقرة في التأثير على الأوضاع الداخلية الليبية، ولا يتوقف الدور التركي في ليبيا على دعم الميليشيات بالأسلحة؛ حيث دعمت جماعات إرهابية تابعة لتنظيم القاعدة، وساعدتها على إرسال قواتها إلى ليبيا، وقدمت تركيا المأوى للإرهابيين الليبيين مثل عبدالحكيم بلحاج، وخالد الشريف، القياديين في الجماعة الليبية المقاتلة، التابعة للقاعدة، وساعدتهما على توسيع قاعدة تمويل الجماعة، وساعدت التنظيمات الإرهابية في إنشاء خطوط اتصالات ومراكز تدريب في ليبيا لإرسال الإرهابيين، وهو ما يوضح سبب تمسك تركيا بمصراتة وطرابلس للاستفادة من الميناءين البحري والجوي لنقلهم إلى ليبيا ومنها إلى أفريقيا وأوروبا.
‏ويجب الإشارة هنا إلى إن تركيا تسعى لتنفيذ نفس الخطة التي اعتمدتها في سوريا واستنساخها في ليبيا، خاصة وأنها فتحت حدودها بترحاب، ودعم لوجستي ومالي للجماعات الإرهابية المسلحة لدخول سوريا عبر أراضيها ومنافذها الحدودية، بما فيهم (داعش) و(القاعدة)، وانتفخت هذه الجماعات الإرهابية داخل سوريا واحتلت أراضي واسعة، وتدخلت القوات العسكرية التركية لتحتل هذه الأراضي السورية بحجة مقاومة الإرهاب، وتريد تنفيذ هذا السيناريو في ليبيا، رغم أنه ليس لها حدود جغرافية مشتركة مع ليبيا، ولكن تستبدل ذلك بالاعتماد على التمويل المالي القطري لتجنيد الآلاف من المرتزقة السوريين وعناصر (داعش) و(القاعدة).
‏وتأسيسًا على ذلك فإن تركيا شرعت في عدم الالتزام بقواعد القانون الدولي وبالحظر الدولي الخاص بتوريد الأسلحة إلى هناك كبداية وتمهيد لتسوية الأزمة، ولكن في واقع الأمر فإن مستقبل انتشار الجماعات المسلحة في ليبيا ما هو إلا متغير تابع يخضع بصورة مباشرة لمدى قدرة تركيا على الاستمرار في دعمهم، ومدى قدرتها على تعزيز دورها في الأزمة الليبية.
‏ختامًا: هناك توجه إقليمي ودولي نحو مجابهة التدخلات التركية في الأزمة الليبية، والتي ساهمت بصورة أو بأخرى في تنامي انتشار هذه الجماعات، وتسببت أيضًا في عرقلة جهود التسوية، ومن ثم فإن محاصرة الدور التركي من خلال القوى الإقليمية والدولية سوف ينعكس على مستقبل تمويل ونشاط هذه الجماعات والمرتزقة التابعين لها، ومن المحتمل أن تشهد الفترة القادمة تنسيق إقليمي ودولي كبيرين حول هذه الانعكاسات لما لهذه التطورات الداخلية الليبية من تأثير على مستقبل الأمن والسلم الدوليين.

 

 

د. هبة رحمان

المراجع:
‏1) الجماعات المسلحة التي أصبحت ليبيا رهينة لها، ⁦‪http://www.bbc.com‬⁩
‏2) الأزمة في ليبيا والتهديدات الأمنية، استغلال الجماعات المتطرفة الفوضى؟ ⁦‪http://www.europarabct.com‬⁩
‏3) خريطة المجموعات الإرهابية في ليبيا.. أنماط التعدد والتغيير cutnews