التميز

الالتزام بمحتوى هادف

خلق القيمة المشتركة: نموذج جديد للاستثمار في البنى التحتية

خلق القيمة المشتركة: نموذج جديد للاستثمار في البنى التحتية لخلق المنفعة الاجتماعية  و القيمة الاقتصادية

 

إن الهدف من هذه المقالة هو تسليط الضوء على مفهوم خلقالقيمة المشتركة و أهميتها كنموذج جديد لدعم البنى التحتية المحققة للمنفعة الاجتماعية للمجتمعات مع القيمة الاقتصادية التي تحسن في تنافسية الشركات.

و تعرف عملية خلق القيمة المشتركة على أنها إدماج القيمة الاقتصادية للمؤسسة مع المنفعة الاجتماعية جنبا لجنب عند اتخاذ المؤسسة لقرارات الاستثمار. لا تعبر القيمة المشتركة عن القيام بالأعمال الخيرية لصالح المجتمع و إنما تبحث عن تحقيق الأرباح من خلال حل مشاكل المجتمع و هذا ما يمثل أعلى مستويات الرأسمالية حيث تسمح القيمة المشتركة بتطور المجتمعات بشكل أفضل و نمو المؤسسات بشكل أسرع.

ففي ظل بروز العديد من المشاكل الاجتماعية من جهة و انخفاض أرباح الشركات من جهة أخرى تظهر مدى الحاجة للتوجه نحو نموذج جديد للأعمال يسمح بتحقيق أرباح أكبر مع نمو أسرع، و في نفس الوقت معالجة المشاكل الاجتماعية و تحسين صحة و حيوية المجتمعات و تقدمها بشكل أفضل من خلال دعم البنى التحتية.

و تجدر الإشارة إلى أن النموذج التقليدي للأعمال الاستثمارية الخاصة بمشاريع البنى التحتية على أن هذه الاستثمارات تقع على عاتق الدولة بالإضافة مساهمات المنظمات غير الحكومية و المنظمات الاجتماعية و بعض الشركات التجارية المتخصصة في مجال البنى التحتية التي تلتزم بمفاهيم المسؤولية الاجتماعية، أما الشركات الاقتصادية الناشطة في مجلات صناعية لا ترتبط بأنشطة البناء، التشييد و الاستخراج فهي تهدف إلى تحقيق الربح  و الأهداف الاقتصادية الأخرى للشركة دون مراعاة للبعد البيئي و الاجتماعي.

نتج عن ذلك ضعف في مشاريع البنى التحتية مع العديد من المشاكل البيئية و الاجتماعية كالتلوث، البطالة انخفاض المستوى التعليمي، قلة المهارات لدى الشباب  انخفاض دخل الأسر، غياب فرص العمل للمرأة، و غير ذلك من المشكلات الاجتماعية  و يعود السبب في إهمال هذه الشركات لخدمة المجتمعات التي تمارس فيها النشاط باعتبار هذا النشاط عملا ثانويا و غير مبرر اقتصاديا.

 لكن مع تغير شروط المنافسة الدولية أصبحت هذه الشركات تبحث عن التوسع في الأسواق الناشئة التي لم يتم خدمتها بعد، كنتيجة لذلك اتضح للشركات أن نموذج الأعمال الحالي غير ملائم و ضرورة توفير نموذج يسمح بإشباع حاجات و حل مشاكل الأفراد أو الزبائن الموجودين في أسفل الهرم و الذين لم تشبع حاجاتهم من طرف الشركات المنافسة، المنظمات غير الحكومية و لا الحكومات المحلية، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه  يصعب جدا حل و معالجة المشاكل الاجتماعية بنفس طريقة التفكير التي أوجدت هذه المشاكل الاجتماعية   لذلك أصبحت  تنافسية الشركة في هذه الأسواق مرتبطة و بشكل مباشر بصحة المجتمعات التي تمارس فيها النشاط. 

من هنا  يظهر حجم هذه الفرصة التجارية بحيث تصبح الأعمال الاقتصادية تحقق أرباح اكبر عندما تعمل على حل المشاكل الاجتماعية المرتبطة بتحقيق الربح كبناء الطرق و الجسور، تحسين الرعاية الصحية، توفير الخدمات المالية في المناطق الريفية، و هذا ما يشكل القيمة المشتركة التي تمثل النموذج الجديد للأعمال الاستثمارية الخاصة بالبنى التحتية حيث نجد علاقة طردية بين عملية خلق القيمة الاجتماعية و تحقيق القيمة الاقتصادية و هذا ما يعرف بعملية خلق القيمة المشتركة.

و اقترح البروفيسور Michael Porter أستاذ إدارةالأعمال بجامعة هارفارد الأمريكية أن عملية خلق القيمة المشتركة للاستثمار في البنى التحتية تتم من خلال ثلاثة عناصر أساسية و المتمثلة في إعادة تصور المنتج و السوق، إعادة تعريف الإنتاجية في سلسلة القيمة، بناء العناقيد الصناعية المدعمة، كلها مرتبطة مع بعضها البعض على النحو التالي:• إعادة تصور المنتج و السوق:

 و هنا يتم تلبية الحاجيات الاجتماعية غير المشبعة بإعادة تصور المنتج و السوق و تكييف المنتج لتلبية حاجيات السوق الجديد و الممثل بالمجتمعات، بمعنى تكييف منتجات المؤسسة على حسب حاجيات المجتمع  بحيث يساهم المنتج المقدم في تلبية حاجة اجتماعية أو له القدرة على حل بعض مشاكل المجتمع• إعادة تعريف الإنتاجية في سلسلة القيمة:

 يتطلب الأمر هنا وجوب إعادة النظر في طريقة استغلال سلسلة القيمة سواء على مستوى عمليات النقل قنوات التوزيع أو الخدمات المكملة، كما يعاد تصميم النظام اللوجيستي لخفض مسافات النقل و تبسيط عمليات المناولة.• بناء العناقيد الصناعية المدعمة:

 لا يمكن للمؤسسات أن تعمل في عزلة عن محيطها فهي تتأثر بالمؤسسات الأخرى الناشطة في الصناعة و بالبنى التحتية المساعدة  العناقيد الموجودة، التركز الصناعي للمؤسسات، الهياكل اللوجيستية  النشاطات المرتبطة و غير ذلك.

 تبرز العناقيد الصناعية في معظم الاقتصاديات الناشئة و تلعب دورا حاسما في رفع الإنتاجية الإبداع و تنافسية المؤسسات فمثلا يفرض انخفاض المستوى التعليمي تكلفة تدريب إضافية، ضعف قطاع النقل يرفع التكلفة اللوجيستية، كما تؤثر مستويات الفقر على الطلب حول المنتجات و الخدمات، فعملية خلق القيمة المشتركة تتطلب بناء العناقيد المساعدة على تحسين إنتاجية المؤسسة.

إن المشكلة الأساسية لضعف البنى التحتية مرتبطة بالفكرة التقليدية القائمة على أساس أن هذه الأعمال هي من اختصاص الدولة و نشاط الحكومة فقط، لذلك تجد الشركات الاقتصادية نفسها غير قادرة على الاستثمار في المناطق التي لا تتوفر فيها بنى تحتية مساعدة، و لكن مفهوم القيمة المشتركة يغير هذه المفاهيم التقليدية و يتجه إلى خلق قيمة اقتصادية للشركات و قيمة اجتماعية للمجتمعات بحيث أن قيام هذه الشركات بدعم الاستثمارات في البنى التحتية سوف يحسن من صحة و حيوية هذه المجتمعات و هذا ما يساعد على خلق الطلب على منتجات الشركات الاقتصادية في إطار العلاقة رابح- رابح.

 

د/ إسحاق خرشي