التميز

الالتزام بمحتوى هادف

صراع العامية والفصحى (01)

اللغة العامية:

وهذه هي اللغة التي خلفت الفصحى في المنطق الفطري، وكان منشؤها من اضطراب الألسنة وخبالها وانتقاض عادة الفصاحة، ثم صارت بالتصرف إلى ما تصير إليه اللغات المستقلة بتكوينها وصفاتها المقومة لها، وعادت لغة في اللحن بعد أن كانت لحنًا في اللغة.

ولا بد للكلام على تأريخ العامية وشيوعها، من التوطئة ببعض القول في تاريخ اللحن؛ إذ هو أصلها ومادتها، بل هو العامية الأولى؛ لأنه تنويع في الفصيح غير طبيعي، خلاف ما قد يشبهه من اللهجات العربية المختلفة كما ستعرفه.


اللحن وأوليته:
والمراد باللحن الزيغ عن الإعراب، وهو أول ما اختبل من كلام العرب، ولم يكن منه قبل الإسلام شيء، وإنما كانت له طيرة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، حين اجتمعت كلمة المسلمين على تباين قبائلهم واختلاف جهاتهم، فتساوى الأحمر والأسود؛ ووجد فيهم من يرتضخ أنواعًا من اللكنة، ومن هؤلاء بلال؛ كان يرتضخ لكنه حبشية، وصهيب لكنة رومية، وسلمان لكنة فارسية. ثم إنه ليس كل العرب سواء في قوة الفصاحة وجفاء الطبيعة العربية؛ فلا بد أن يكون بدء ظهور اللحن في الألفاف المستضعفين ممن لم يبلغ به الجفاء ولم تتوقح فصاحته، فربما جذبه طبعه الضعيف وقد دار في سمعه شيء من كلام المتعربين بعد الإسلام فيزيغ ويسترسل إلى ما انجذب إليه، هذا إذا لم نعتبر في أمر أولئك الألفاف ما يكون عادة من ذهول الطبع وتبلده إذا فجأه ما ليس في قوته ولا تسمو طبيعته إليه كفصاحة القرآن الكريم، فإنه فضلًا عن نزوله بغير اللغات الضيقة واللهجات الشاذة قد انطوى على أسرار من سياسة الكلام لا تتعلق بها إلا الطبيعة الكاملة؛ ولذا كان أكثر اللحن فيه بادئ بدء؛ لأن لسان كل عربي يركب منه قياس لغته، ويدرك من أسراره بحسب قوته؛ فإذا لم يكن صليبًا جافيا قصر به طبعه فاختبل وتبلد، كما ترى فيمن يقرأ الفصيح وليس من أهله؛ ولو لم يكن ذلك لما كان أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ يستحب أن يسقط القارئ الكلمة من قراءته على أن يلحن فيها؛ لأن لحن العربي خَور في طبعه، فهو من هذه الجهة لا يستقيم إلا بمراجعته والتغيير عليه حتى يثبت على الصواب بنوع من التعلم والتلقين، وأنى لهم ذلك!؛ فلا جرم كان إسقاط الكلمة وهو في حكم السهو خيرًا من إثبات اللحن الطبيعي فيها وهو في حكم العمد.


وقد رأينا العلماء فريقين في أمر الإعراب وإطباق العرب عليه:
ـ فمنهم من يرى أنهم يتساندون في ذلك إلى السليقة ويجرون على مقتضى الطبع، فلا يفطنون إلى اختلاف مواقع الكلام باختلاف جهاته، وعلى هذا متقدمو العلماء.
ـ ومنهم من يرى أنهم إنما يتأملون مواقع الكلام، ويعطونه في كل موقع حقه وحصته من الإعراب عن ميزة وعلى بصيرة، وأن ذلك منهم ليس استرسالًا ولا ترجيعًا، وإلا لكثر اختلاف الإعراب في كلامهم وانتشرت جهاته ولم تنفذ مقايسه، فلم يجمعوا مثلًا على رفع الفاعل ونصب المفعول ونحو ذلك، ومن هؤلاء ابن فارس في كتابه (فقه اللغة)، وابن جني كما يؤخذ من كلامه في كتاب (الخصائص). والذي عندنا أن ذلك من (خرفشة النحاة) كما يقول ابن خلدون في تحذلقهم وتنطسهم، والصواب: رأي الفريق الأول؛ لأن ما ذكره ابن جني في معنى التعليم والتلقين، فإذا ثبت أنهم يتصفحون وجوه الكلام ويتأملون مواقعه لم يجز أن ينتقل لسان العربي عن لغة إلى لغة أخرى، ولا أن يستدرج في بعض الكلام، ولا أن تضعف فصاحة الفصيح منهم؛ للزومهم طريقًا واضحًا ومهيعًا معروفًا، وما كان بالتعليم لا يكون بالفطرة. وقد جاءت الروايات بكل ذلك عنهم، ولا سبب له غير الاختلاف الفطري الذي تبتدئه الوراثة وتكمله الطبيعة كما أومأنا إليه في محله.


فالصحيح أن الطباع العربية مختلفة قوة وضعفًا، فمنها المتوقح الجافي، ومنها الرخو المضطرب، وبحسب ذلك تكون اللغة فيهم، وقد نقل ابن جني نفسه في موضع من كتابه: أن العرب أشد استنكارًا لزيغ الإعراب منهم لخلاف اللغة؛ فقد ينطق بعضهم بالدخيل والمولد ولكنه لا ينطق باللحن، ثم قال في موضع آخر: إن أهل الجفاء وقوة الفصاحة يتناكرون خلاف اللغة تناكرهم زيغ الإعراب. ولم يأت هذا التفاوت -كما ترى- إلا من اختلاف الطباع الذي أشرنا إليه، فأحر بما اتفقوا عليه أن يكون سببه في الطبع أيضًا؛ لأن الاختلاف في جهات من الشيء إنما يتميز بالاتفاق على جهات أخرى منه.
وبهذا الاعتبار نقطع بأن اللحن لم يكن في الجاهلية ألبتة، وكل ما كان في بعض القبائل من خور الطباع وانحراف الألسنة فإنما هو لغات لا أكثر؛ وسنزيد هذا الموضع بيانًا في الفصل التالي.


هذه أولية اللحن، كانت كما عرفت على عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وقد رووا أن رجلًا لحن بحضرته فقال: “أرشدوا أخاكم فقد ضل” ويروى: “فإنه قد ضل”؛ فلو كان اللحن معروفا في العرب قبل ذلك العهد، مستقر الأسباب التي يكون عنها، لجاءت عبارة الحديث على غير هذا الوجه؛ لأن الضلال خطأ كبير، والإرشاد صواب أكبر منه في معنى التضاد، بل إن عبارة الحديث تكاد تنطق بأن ذلك اللحن كان أول لحن سمعه أفصح العرب صلى الله عليه وسلم.ثم لما استفاضت الأسباب التي ذكرناها في صدر هذا المقال، وفتحت الروم وفارس، كثر اللحن بالضرورة، ولكن العرب كانوا يستسمجونه ويعتبرونه هُجنة وزراية، وينتقصون أهله ويبعدونهم، ومما رووه أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ مر بقوم يرمون، فاستقبح رميهم، فقال: ما أسوأ رميكم! فقالوا: “نحن قوم متعلمين”، فقال عمر: لحنكم أشد علي من فساد رميكم. وقد تضافرت الروايات بأن كاتبًا لأبي موسى الأشعري كتب إلى عمر فلحن، فكتب إليه عمر: عزمت عليك لما ضربت كاتبك سوطًا، وفي رواية كتب إليه: أن قنع كاتبك سوطًا، ولكنهم لم يذكروا موضع اللحن في كتاب أبي موسى حتى وقفنا عليه، فإذا هو لحن قبيح يشق على عمر وغير عمر؛ لأن ذلك الكاتب جعل صدر كتابه هكذا: “من أبو موسى…” وهذا ـ على ما نظن ـ أول لحن وقع في الكتابة، ثم شاع بعد ذلك حين نقلت الدواوين إلى العربية من الرومية والقبطية، وكان أكثر ما يكون ذلك من ألفاف كتاب الخراج والصيارفة، وقد عثروا في بعض قرى مصر على رقاع مكتوبة، يرجع تاريخ أقدمها إلى سنة (127 هـ)، ومنها رسائل موجزة إلى أصحاب البُرُد، كبريد أشمون وغيره، وهي على إيجازها قبيحة اللحن، ولكن منها رسائل مؤرخة في سنة (182) و(250) و(279) و(295)…


مصطفى صادق الرافعي


(تاريخ آداب العرب) (1/ 185 ـ 188)