التميز

الالتزام بمحتوى هادف

نفثة مصدور!

لن ينتفع غيرك بما تكتب إن لم تكن أنت قد انتفعت بما تقرأ، ولن تنفعك القراءة إن لم تحسن اختيار ما تقرأ، للأدب العربي رجاله، وللثقافة العربية الإسلامية أساطينها وأئمتها، ولها مراجعها ومصادرها، ولها أصولها التي تنبني عليها، ولها خصوصياتها المميزة لها عن غيرها، ولها طبيعتها التي تناسب العرب وتناسب المسلمين، ولها أهلها المستعدون لها تقبلا واستيعابا وتفاعلا وتناغما وغيرة ونشرا واستفادة وإفادة… ومن أئمة الأدب الأصيل في هذا العصر رجال صنعوا من الأدب العربي سماء ثم حلقوا فيها صقورا وعقبانا، ومدو من الثقافة الإسلامية فضاء رحيبا انطلقوا فيه أبطالا وفرسانا، فلو وفقنا لنشر مختارات من كلامهم، وما يعرف الناس بهم وبأدبهم، ويرغبهم في القراءة لهم لكنا قد قدمنا شيئا لآدابنا وثقافتنا يشبه ما قدموه هم، إن لم يكن هو إياه علما وبيانا وإبداعا وقوة فهو مرشد إليه وسبب واصل بينه وبين جيل قد انقطعت صلاته به بفعل فاعل، وكثف الحجاب الحاجز عنه بتدبير ماكر…

البارودي، شوقي، حافظ إبراهيم، صبري، الكاظمي، الرافعي، المنفلوطي، محمود شاكر، الخضر حسين، الإبراهيمي، الزيات، العريان، الطناحي… وغيرهم من كتاب العربية وشعرائها ومن نافحوا عن لغة القرآن ضد أعداء الدين الذين كادوا لهذه الأمة باستغلال أقلام مأجورة لترويج ما يخدم ثقافة الغرب المكونة في مجموعها من رذائل الثقافات المنتشرة في الأرض، أقلام استعجلت النتائج ولم تحكم الأسباب، أعجلها الجشع والربح المادي، وأغرتها الشهرة ولو على حساب الإجادة والأصالة والجمال الفني والإفادة العلمية والفكرية، أقلام وجدت في الركاكة والسخف تجارة رائجة في أوساط الكثرة الكاثرة من الرعاع، الذين يؤثرون الساقط المرذول على الفاضل الشريف فقط لأنه أسهل متناولا، ولأنه نازل إلى مستواهم يكنس الأرض من حولهم ويجمع لهم كل ما تشتهي أنفسهم من سقط المتاع ولغو الحديث، أقلام تجيد تعمية شواهد الحق، وطمس معالم التاريخ التي تقود من تتبعها إلى ما يبطل السحر الذي أسدل ظلماته على بصائر كثرة كاثرة من بني جلدتنا ممن فتنوا بحضارة الغرب، وانهزمت نفوسهم أمام منتحليها؛ فسلموهم زمام الراحلة دون مقاومة، ورضوا لأنفسهم بالاتباع الأعمى إلى الوجهة المجهولة، تجد الفاضل منهم يظهر استنكاره المتخاذل مجاملة لمن حثهم على السعي فيما يعود بالخير على جسد الأمة المريض، ويطرد عنها سوس النفاق الذي ينخر عظامها من داخل، ويذب عنها دبابير السوء التي تهاجمها من خارج… تجدهم يتذمرون بشتى الأساليب ولكن لا يحركون ساكنا ينفع تحريكه، ولا يسعون في مفيد، وكأنهم يطمعون في الشرف وهم يتشبثون بأسباب الضعة، ويطلبون العزة وهم مدمنون أسباب الذل، ويرومون الحرية وهم لا يصبرون على فراق التبعية لحظة… تباينت وجهاتهم، وتعددت مواقفهم، وتنوعت أساليبهم في التعبير، ولكنهم أجمعوا أمرهم على معنى واحد “وما يفعل الميت في يد مغسله”

نعم لقد استغل العدو الماكر المغفلين من بني جلدتنا وأغرى سفاءهم بتكثير مادة سخيفة تغرق فيها كل مادة شريفة؛ ليرسي قواعد حضارته في عمران الأرض، ويغرس مبادئ ثقافته في نفوس الأجيال تتخبط في حيرة وتيه وانقطاع عن هويتها الضائعة، ويهدم بروجا مشيدة من حضارة الإسلام وثقافته، لا يهدمها في الخارج فحسب بل حتى في القلوب والأذهان، ولم لا يمحوها من الطروس والكتب…

لقد كانت ثلة من هؤلاء منافقة تعمدت ما أتت به، و كانت ثلة أخرى مغفلة استغلها الخبثاء فضرت من حيث أرادت النفع…

ونحن العرب لا حضارة لنا بلا إسلام .. ولا إسلام تاما بلا فهم للقرآن والسنة فهما صحيحا، ولا سبيل إلى الفهم الصحيح دون الرجوع إلى فهم العرب الأقحاح الذين نزل القرآن بلغتهم وبينه لهم النبي بلغتهم فتجسد الدين الصحيح واقعا في أعمالهم وأقوالهم وعقائدهم وأخلاقهم ومعاملاتهم، واجتماعهم وعمرانهم…

والعجيب أن يتفطن العدو لنقطة قوتنا فيقبحها في أعين أجيالنا المتأخرة، في حين نتمسك نحن بأسباب ضعفنا مقدرين أنها المخرج من دوامة الغرق…

 

عبد الرزاق جدو

مشرف عام الموقع